الدولة القادرة العادلة.. محاولة تفسير د. بلال اللقيس الأربعاء, 06-آب-2025 لطالما شدّد شهيد الأمة السيّد حسن نصرالله في
الدولة القادرة العادلة.. محاولة تفسير
د. بلال اللقيس
الأربعاء, 06-آب-2025
لطالما شدّد شهيد الأمة السيّد حسن نصرالله في خطابه السياسي على طرح إنقاذي اختصَره بكلمات ثلاث «الدولة»، «القادرة»، «العادلة». فكيف يمكن أن نستظهر هذا الطرح مقارنةً بغَيره في الوسط اللبناني.
أولاً في «الدولة»:
الفكر السياسي الذي يُعبِّر عنه «حزب الله» لا يعيش أزمة مفهومية مع فكرة الدولة. فهو لا يعادي الواقع، بل يتحرّك لرفع الظلم الواقع والطغيان وإصلاحه. وفق هذه الأطروحة الدين ليس كألواح، إمّا يؤخَذ كلّه أو يُترَك كلّه، ولا يقوم الفكر الديني بالإسقاط والقسر بل بالتبّني والقبول والرضى، فالدين الأصيل لا يفترض أن يتعادى مع ما يحّقق فائدة واقعية للبشرية، فكل خير ومنفعة فعلية موجودة في الدين بالفعل أو بالقوة.
لذلك، فالتعارض المتوَهّم بين الدَين وبين أي تجربة بشرية أو فكرة وضعية تحقّق مصلحة إنسانية مستدامة، هو تعارض متوهّم أو سوء فهم للدين أو هو انحراف بالفكرة. فالدين والدولة يجب أن يتعايَشا بل يتكاملا إذا روعِيا بطريقة سليمة وبعقلية تبتغي الإصلاح لا الهدم والإقناع لا الفرض، وإخراج الدولة من فرضيّتها باختزال الدنيا كما إخراج الدين من فرضية اختزاله للآخرة.
إنّ هذا الفهم الحيَوي للدين مكّن أكبر وأهم الأحزاب الإسلامية وأشدّها تأثيراً وحضوراً، أي «حزب الله»، من قبول وتأكيد نهائية لبنان ككيان واحد موحّد، والتصدّي لأي محاولة خارجية أو داخلية لدمجه بغَيره أو لتجزئته تحت مسميّات شتّى! ووفق هذا الفهم للدين يحتاج لبنان إلى دولة تشبهه وتشبه تحدّياته، كما لا يمكن أن يستمر لبنان كشبه دولة بدعوى أنّه رسالة وشركة! فلبنان لا يستقيم إلّا كـ»دولة ورسالة» في آنٍ، دولة مولجة بحفظ رسالة تتحرّك بمواجهة أصناف التحدّيات الحضارية كالعنصرية والإبادة والأحادية وطغيان القوّة على القِيَم. إنّ الدولة التي يجب أن ننشدها هي دولة القانون ومعالم الطريق إليها تمرّ بكَونها جمهورية أولاً، وبرلمانية ديموقراطية محكومة بالتوافق والتشارك ثانياً، والتغيير فيها تدريجي لا دفعي ولا ثوري، ومدخله الحوار وفقط الحوار ثالثاً، والتنافس بين مكوّناته وقواه تكون على إنتاج المشروعية الحضارية بما يعّزز أهداف لبنان ويحفظ خصائصه ويزخّم رسالته السياسية والدولية.
ثانياً، «القادرة»:
إنّ اختيار القدرة بدل القوّة في تعريف هوية لبنان السياسية يحمل إشارة مهمّة جداً في فهم منظور المقاومة و«حزب الله» لبناء لبنان وإدراك سماته وهيئته. فهوية لبنان هي على النقيض من الكيان الصهيوني، فإذا كان الأخير يُعوّض ضعف الفكرة بفائض القوّة المادية والعسكرة - حتى صار مجتمعه مجتمعاً أمنياً عسكرياً - فإنّ لبنان يقوم على قوّة الفكرة الحضارية والأخلاقية والحاجة الماسّة لحمايتها ومقدار من القوة لتسند الفكرة، وإذا كانت إسرائيل تقوم أوّلاً على عمود الخارج، فيقوم لبنان أولاً على عمود الداخل ومناعة الذات، وإذا كانت إسرائيل تعتمد على أنظمة الغرب فإنّ لبنان يعتمد على ذاته أولاً ويستفيد من كل الخارج لتعزيز مكانته ورسالته.
لبنان يبقى حيَوية اجتماعية وإنسانية ورسالة تصونها عوامل القدرة في مجالاتها التي قد تتعدّد بما يخدم الغرض وليس بما يجمّد لبنان أو يحرفه عن توازنه الحضاري ورسالته الاجتماعية، فالقوّة ليست المطلوبة بذاتها إنّما المطلوب هو مقدار ما يصون الرسالة، والكيف يتقدّم على الكم في منظومة بناء القوة.
والفكرة الحضارية ما وُجِدَت لتحيد وتتجنّب التحدّي إنّما لتحضر وتنخرط، بالتالي المقاومة هي إحدى الطرق التي أثبتت نجاعتها في تحرير لبنان وحفظ كينونته وتثبيت سلمه الأهلي ولو وجِد طريق أفضل وأنجع لوجب اتباعه، لكنّ التجربة والعقل وكل تجارب الدول تعطف على الفكرة مقداراً ضرورياً من الإعتماد على الذات بامتلاك إرادة التحدّي الذي لا استغناء عنه حتى في جمهورية أفلاطون!
وربّما يكون هذا الفهم هو ما دفع إلى نظرية «جيش، شعب، مقاومة». إذ تبيّن بالواقع أنّها المعوّضة عن غياب قرار السلطة السيادي وصعوبة توافره، فصارت السيادة كلمة جوفاء احتاج الشعب لملئها فكانت المقاومة.
المطلوب إذاً هي القدرة لا القوة بذاتها ولا مزيد منها كما الصهاينة. القدرة التي تسهم في تثبيت الإستقرار وتأمين حماية وحفظ البلد والانتقال به إلى التأثير بدل الانفعال والحضور بدل التغييب. ومن مصاديق القدرة هي هذا التنوّع اللبناني وغناه لو أُحسِن استثماره.
إذاً نحتاج إلى القوّة المادية بمقدار ما يخدم الهوية وحيَويّتها.
ثالثاً، «العدالة»
أمّا «العدالة» فأخذت حيّزاً خاصاً في مفهوم سماحة السيّد للدولة وقدّمها على غيرها من القِيَم، فهي ليست وسيلة للاستقرار وحسب بل هي قوام الاجتماع واستمراره وحفظ خصائصه، وإنّه لا حرّية حقيقية بلا العدالة، كما أنّه لا عدالة يمكن تحقيقها من دون نزعة التحّرر وتجذّرها في المجتمع.
ومن هنا، أمكن النظر إلى قضية المقاومة باعتبارها ترشحاً عن قيمتَي العدالة والحرّية كأصلَين في البناء الإجتماعي العام واللبناني الخاص. العدالة ليست المساواة التي لا يمكن بلوغها، ناهيك أنّ المساواة تفتح إلى ديموقراطية الأكثرية من منظور تساوي الحقوق والواجبات بين الأفراد، فتقيّد على المدى المتوسط والبعيد التنوّع اللبناني، بينما العدالة تحفظه من دون أن تتنكّر لنوع من التساوي في الحقوق والواجبات الذي لا يضيّع الصيغة اللبنانية.
كما إنّ العدالة قضية تحظى بالحدّ الأدنى من التعريف العقلاني والاجتماعي والسياسي المتقارب في لبنان. فالعقل الجمعي لم يصل إلى حدّ تقديم الأنسب على الأفضل كما في الغرب ولا المصلحة على الأخلاق والكرامة. والعدالة حاجة البشرية الأولى اليوم وحاجة لبنان في سياستيه الخارجية والداخلية لضمان الرسالة واستقلالها، وهي المميّز الأهم عن العدو الصهيوني. ناهيك عن أنّ العدالة تضبط المفاهيم والقيم، كما وتضبط التطبيقات المتطرّفة للحرّية وللنظام والفرد والجماعة وترشدهما، كما وتضبط مفهوم المصلحة عندما تكون هي القيمة الحاكمة، فحينها نستطيع أن نعرّف المصلحة اللبنانية تعريفاً متقارباً بدل تنازع التعريف، خصوصاً أننّا في دولة ليست قومية ليسهل تحديد تعريف شبه موحّد للأمن القومي والمصالح العليا.
ومن مقتضيات العدالة هو التوازن داخلياً وخارجياً، وأهمية بل وجوب تنويع علاقاتنا، فالعقل والمصلحة والبناء الحضاري يقتضي بناء علاقات ومتنوّعة، لأنّ العالم أوسع من أميركا والغرب، ولأننّا في عالم متحوّل. فليس من الصحيح أن نجنح باتجاه واحد بل أن نبقي سلّة خياراتنا متنوّعة ونستفيد من الجميع. ونعترف أنّنا كلبنانيِّين أخذنا بالحرّية من دون العدالة، فأقحمتنا أحياناً أودية كادت تهدّد السلم الأهلي.
إنّ المضطلعين بشأن الدولة عادةً ما يستغرقون في اللحظة، وأحياناً كثيرة في الأغراض ونداء الخارج ولا يهموا لمسارات الحوار الجاد حول مفاهيم جوهرية تساعد لفهم بعضنا بطريقة أفضل، والأخير شرط في السير لبناء منزلة من منازل الدولة الوطنية فضلاً عن دولة قانون فحقوق حضارية.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها